أبي الفرج الأصفهاني
120
الأغاني
وربّ قرن فصلت عظامه ثم قال له السّلامي : أأطرفك [ 1 ] ؟ ثم رماه في عينه فقال الشنفري له : كأنّ كنّا نفعل أي كذلك كنّا نفعل ، وكان الشنفري إذا رمى رجلا منهم قال له : أأطرفك ؟ ثم يرمي عينه . ثم قالوا له حين أرادوا قتله : أين نقبرك ؟ فقال : لا تقبروني إنّ قبري محرّم عليكم ولكن أبشري أمّ عامر [ 2 ] إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري وغودر عند الملتقى ثمّ سائري [ 3 ] هنالك لا أرجو حياة تسرّني سمير الليالي مبسلا بالجرائر [ 4 ] تأبط شرا يرثيه : وقال تأبّط شرّا يرثي الشّنفري : على الشّنفري سارى الغمام ورائح غزير الكلى ، وصيّب الماء باكر [ 5 ] / عليك جزاء مثل يومك بالجبا وقد أرعفت منك السّيوف البواتر [ 5 ] ويومك يوم العيكتين وعطفة عطفت وقد مسّ القلوب الحناجر [ 6 ] تجول ببزّ الموت فيهم كأنهم بشوكتك الحدّى ضئين نوافر [ 7 ] فإنك لو لاقيتني بعد ما ترى - وهل يلقين من غيّبته المقابر - [ 8 ] لألفيتني في غارة أنتمي بها إليك وإمّا راجعا أنا ثائر [ 9 ] وإن تك مأسورا وظلت مخيّما وأبليت حتى ما يكيدك واتر [ 10 ] وحتى رماك الشّيب في الرأس عانسا وخيرك مبسوط وزادك حاضر [ 11 ]
--> [ 1 ] طرف عينه : أدخل فيها ما جعلها تدمع . [ 2 ] البيت من الطويل دخله الخرم ، أم عامر : كنية الضبع ، يريد ألا يقبروه ، بل يتركوه للضبع تأكل لحمه . ( 3 - 4 ) سائري : ما بقي مني ، سمير الليالي : طول الليالي ، مبسلا بالجرائر : مرهونا بآثامي وجرائمي ، يقول : إذا قتلت ، فقطع رأسي ، وغودر جسمي فما حاجتي إلى قبر أحيا فيه حياة أخرى مثقلا بجرائمي إلى الأبد ؟ وقوله : وفي الرأس أكثري ، يريد به أن الرأس وحده يرجح باقي جسمه لكبره ، أو لما يحتويه من الحواس ، وفاعل احتملت ضمير أم عامر ، أو القبيلة التي قتلته ، وقد ضبط هذا الفعل مبنيا للمجهول في بعض الأصول ، ويلزم عليه تأنيث الرأس ، مع أنه مذكر . [ 4 ] الكلى : جمع كلوة ، وتطلق على أسفل السحاب ، يدعو له بأن يسقي قبره ساري الغمام والسحاب الغزير الماء . [ 5 ] الجبا : مكان كانت فيه - على ما يبدو - موقعة للشنفري ، أرعفت منك السيوف البواتر : قطرت دما منك السيوف القواطع ، يقول : عليك جزاء من الغيث بمقدار ما أسالته سيوفك من الدم في هذا اليوم . [ 6 ] العيكتين : جبلين ، ويومك : معطوف على يومك في البيت قبله ، وعطفة : معطوف أيضا ، بعدد أيامه التي أبلى فيها ، وقوله : « وقد مس القلوب الحناجر » ، يريد به أن الأصوات في الحرب كانت تمس شغاف القلوب من وقع تأثيرها . [ 7 ] البز - بفتح الباء وكسرها - : السلاح ، والحدى : مؤنث الأحد بمعنى المرهف الحد ، والضئين : جمع ضائن ، وهو ما عدا الماعز من الغنم ، يقول : كأن الأعداء ينفرون من سلاحك نفور النعاج والخراف . ( 8 - 9 ) جملة : « وهل يلقين من غيبته المقابر ؟ » اعتراض بين الشرط وجوابه ، أنتمي : أنتسب ، ثائر : آخذ بالثأر ، يقول : إنني بعد موتك إما مقدم على غارة ، أو راجع من ثأر ، كما كنت تفعل في حياتك . ( 10 - 11 ) هذان البيتان متعلقان بما قبلهما ، أي أنا أفعل كذا وكذا وإن كنت أنت أسير قبرك ، مخيما فيه ، بعد أن أبليت في الحروب ، حتى لم يكن ينال منك واتر ، وحتى رماك الشيب ، وأنت عانس - والعانس : الجمل السمين - وكان خيرك فياضا ، وزادك مبذولا للضيفان ، وقد يكون المراد بقوله : « عانسا » لم تتزوج ، فإن هذا الوصف يطلق على الذكر والأنثى على السواء .